هذه هي الأسباب خلف رؤية المواطن أرقاما ومشاريع تُروج على أنها إنجازات كبرى، بينما لا يلمسه شيئا منها في حياته اليومية - محمد الفزاري

 





بل يومين نشرت تدوينة حول ما أسميته "فجوة الاستقرار" في عُمان، مؤكدا أن هناك أزمة حقيقية. ورغم صراحة الطرح، فوجئت بتفاعل عدد كبير من العُمانيين بخلاف ما توقعت. وهذا في حد ذاته تأكيد إضافي على ما ذكرت؛ فأعمى البصيرة وحده هو من لا يرى ما يجري أصلا! في تلك الأثناء، وصلني تعليق على الخاص من أحدهم قال فيه معترضا: الصورة ليست بتلك السوداوية.. عُمان هيثم ليست عُمان قابوس؛ مؤشرات عمان أفضل وهناك العديد من المشاريع والاستثمارات. لكنه سرعان ما أضاف بعد حوار قصير: أتفق معك، لأنه رغم ذلك، وبصراحة، لا يوجد تغيير على مستوى الوضع المعيشي للمواطن! مرة أخرى أقول أيضا: أعمى البصيرة من لا يرى تلك المشاريع وتلك المؤشرات! ولكن بالضبط هذا هو جوهر الموضوع: أن يرى المواطن أرقاما ومشاريع تُروج على أنها إنجازات كبرى، بينما لا يلمسه شيئا منها في حياته اليومية. أين المشكلة؟ هناك عدة أسباب رئيسة من وجهة نظري، ولست هنا بصدد اختراع العجلة؛ فكلها معروفة ومنطقية، أهمها: 1- سوء توزيع العوائد حيث تتركز الثروة والاستثمارات في يد فئة محدودة بينما لا يستفيد المواطن العادي منها بشكل مباشر! 2- غياب السياسات الاجتماعية حيث تُقام مشاريع كبرى واستثمارات ضخمة من دون ربطها ببرامج واضحة لتحسين معيشة الناس مثل فرص العمل أو الخدمات الأساسية! 3- التسويق السياسي حيث يُضخم الإعلام الرسمي هذه المشاريع وتُقدم على أنها إنجازات تاريخية بينما يظل أثرها الملموس على حياة الناس غائبا! 4- انفصال القرار الاقتصادي عن الواقع الاجتماعي حيث تُبنى الأولويات على جذب الاستثمارات الخارجية وتنمية المؤشرات على حساب ملفات حساسة مثل البطالة ورفع مستويات الدخل! 5- إعطاء الدولة الأولوية لسداد الديون وتحسين المؤشرات الائتمانية، وهو ما عزز صورة الاقتصاد الكلية لكنه حد من توجيه الموارد إلى ضخ مباشر في السوق المحلي عبر الرواتب أو دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة؛ فبقي المواطن يعاني ضعف القدرة الشرائية وتواصلت معاناة القطاعات المنتجة داخليا. 6- الاعتماد على أرقام كلية مثل الناتج المحلي الإجمالي التي تعكس حجم الاقتصاد على الورق لكنها لا تعكس حقيقة الوضع المعيشي للمواطن لأن هذه الأرقام مُضخمة بعوائد النفط ومشاريع نخبوية لا يستفيد منها أغلب السكان! وإذا أردنا وضع هذا الخلل في إطار أوسع، فهو لا يختلف كثيرا عن الانتقادات الموجهة عالميا للرأسمالية عموما وللنيوليبرالية خصوصا. ففي عُمان، تتضخم المؤشرات الكلية وتتوسع الاستثمارات بينما يظل المواطن بعيدا عن أي تحسن ملموس في دخله ومعيشته. لكن خصوصية الحالة العُمانية أنها تقوم على رأسمالية ريعية هجينة، حيث يمتزج الاعتماد على العوائد النفطية مع توجهات نيوليبرالية شكلية، بينما تبقى آليات التوزيع محكومة بالنخبة الحاكمة (النظام)، وهو ما يجعل فجوة الاستقرار أكثر عمقا! كلما اتسعت فجوة الاستقرار، كلما ضعفت قدرة النظام على الحفاظ على الاستقرار؛ وهنا تكمن خطورة هذه الفجوة!


تعليقات

المشاركات الشائعة