قراءة في كتاب "تأشيرة: تأملات غير مطمئنة" - محمد الفزاري
أسم الكتاب: تأشيرة: تأملات غير مطمئنة
أسم المؤلف: محمد الفزاري
أسم الدار: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
عدد الصفحات: 174
*كتب: عبدالرحمن خليفة
كنتُ دائمًا أصف المكتبة بأنها آلةُ زمن؛ تدخلها فتنتقل من عصرٍ إلى آخر. قد تعود بك إلى الحضارة اليونانية، حيث كان الفلاسفة يبحثون عن المبدأ الأول للوجود ويقول بعضهم أن أصل الأشياء هو الماء. أو تذهب بك الصفحات إلى سرديات دينية وتاريخية مختلفة، فتجد نفسك في زمنٍ يُروى فيه صلب المسيح وفق السردية المسيحية، ثم تنتقل من القرن الأول إلى القرن السابع حيث يولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتتشكل بداية مرحلة جديدة من التاريخ الإنساني.
أما الكتاب الذي بين يدي الآن، فينقلك من محطة عبور إلى أخرى عبر تساؤلات فكرية متتابعة. وحسب ما يقول الكاتب في مقدمة كتابه: قد لا يمنحك إجابات تشفي هذه التساؤلات؛ بل ربما يفعل العكس تمامًا، يضع أمامك سؤالًا كنت تتجنبه منذ زمن طويل. سؤال يعيد الشك إلى بعض المسلّمات التي اعتدت الإيمان بها، ويدفعك إلى إعادة التفكير في قضايا كنا نظن أننا حسمناها. فالوجهة النهائية ليست مكتوبة في أي صفحة، لأن كل قارئ سيأخذ طريقه الخاص.
ستكون هذه القراءة تحليلة للأفكار التي طرحها الكاتب في خمس محطات، وكل محطة تحمل عنوان وأنا بدوري سأعرض هذه الأفكار، وأضع اقتباسات مهمة من كل محطة. وبعد الإنتهاء من عرض محطات الكتاب، سأعرض رأيي حول الكتاب والنكات التي أختلف فيها مع الكاتب.
حاولت جاهدا أن ألخص الأفكار الرئيسية التي طرحها الكاتب، فلم أقم بتغيير ما جاء فيه من أفكار أو آراء، لكن ربما سطقت مني بعض النقاط المهمة، وهذا أمر طبيعي، فالإنسان ليس معصوما عن الخطأ. وقد قمت بذلك لكي تتضح الصورة للقارئ حول القضايا المطروحة، دون حذف وتغيير بين ونقطة الاختلاف إن وجدت.
المحطة الأولى: فلسطين والحرية
هذه المحطة الأولى التي بدأ فيها الكاتب، ولربما بسبب ما تحمله هذه القضية من أهمية عند كل إنسان عاقل موضوعي. قد وضعها لتعيد بنا نحن القرَاء تساؤلات حول القضية الفلسطينية، بل أن يعيد ترتيب بعض البديهيات في القضية.
يحاول الكاتب أن يعقد مقارنة بين الفيلم الهندي "حياة الماعز" والقضية الفلسطينية. هذه المقارنة لا تهدف إلى التقليل من حجم القضية الفلسطينية، بل إلى إبراز الفكرة الجوهرية التي يطرحها الفيلم: الظلم وسلب الحرية، وتحطيم إنسان جاء إلى الغربة بحثًا عن لقمة العيش وبناء مستقبل كريم لعائلته، لكنه يجد نفسه أمام قسوةٍ تفوق قسوة الفقر نفسه. المشكلة هنا ليست فعلًا فرديًا معزولًا، بل هي نتيجة نظام كامل يعزز هذا الظلم ويعيد إنتاجه.
وفي فلسطين، يتجاوز الأمر انتهاك حقوق الإنسان وكرامته ليصل إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير؛ فثمانين عامًا من التهجير وسلب الأرض والأرواح لا يمكن تفسيرها كحوادث متفرقة، بل كسياسة ممنهجة. لقد استطاع الاحتلال، عبر استراتيجية طويلة المدى، أن يعمل بتأنٍ على تجريد أفعاله من إنسانيتها. فعل ذلك عبر بناء سرديات متعددة: سردية دينية تقوم على حقهم في "أرض الميعاد"، وسردية أمنية تصورهم دائمًا في مواجهة تهديد فلسطيني دائم، وهو ما يُستخدم لتبرير القتل والتشريد. وخلال أكثر من خمسين عامًا، نجحوا في ترسيخ هذه السردية عالميًا، بل وخدعوا بها جزءًا من العالم العربي عبر ما سُمّي بتطبيع العلاقات والسعي إلى سلامٍ زائف.
لكن أحداث السابع من أكتوبر شكّلت، في نظر الكثيرين، بداية صحوةٍ للضمير العربي والإسلامي، ولم يقتصر أثرها على ذلك؛ بل امتد إلى الشعوب الغربية أيضًا، حيث بدأت السردية الصهيونية تتعرض لاهتزازٍ واضح أمام خطاب المقاومة، وليس أمام خطاب التطبيع والسلام الشكلي. فالاحتلال الإمبريالي الممنهج لا يقوم فقط على القوة العسكرية؛ بل على صناعة سردية ثقافية تخدع العالم. فهو لا يقدّم أفعاله بوصفها قتلًا وتجويعًا وتنكيلًا بالشعوب؛ بل يغلّفها بلغةٍ أخرى: باسم الديمقراطية، أو باسم الحريات، أو حتى باسم التطور أو التفوق الحضاري.
"استطاع أهالي غزة وفصائل المقاومة، بصمودهم وما ترتب عليه من نتائج تهز العقول، أن يقوّضوا السرديات الصهيونية ويدفعوا الشعوب على اختلافها إلى تضامن أممي لم يشهده العالم من قبل."
مع مرور العقد الثامن من مقاومة الاحتلال إلا أن الكفة لا زالت تميل لصالح العدو الصهيوني، الدولة الصغيرة بين الدول العربية وفرق التعداد السكاني الهائل. وهنا يذكر الكاتب أحد أهم الأسباب التي جعلت هذا التفوق لصالح العدو المحتل وهي: الدعم المستمر من الدول العظمى، الدعم المادي والعسكري. بجانب تفوقه العلمي. ولم يغفل الكاتب على ذكر خيانة بعض أصحاب القضية، والذين ساهموا بشكل كبير مع فكرة التطبيع والسلام، وايضا ساهموا بشكل مباشر على تصفية المقاومة. ولكن الكاتب لم يكتف بهذه الأسباب بل قام بالتأكيد على أن الصحوة الإسلامية كانت المحرك الأساسي في هذا التحول، حيث تم تقليص هذه القضية من قضية إنسانية إلى قضية دينية إسلامية، وهذا قد خدم المحتل بشكل كبير حيث تحول من احتلال استيطاني غاشم إلى صراع تاريخي ديني.
ينتقل الكاتب إلى المقاومة وحقها الشرعي والإنساني في مواجهة المحتل، ويؤكد أن ما يحدث هو نتيجة لاحتلال صهيوني استيطاني، وليس مجرد صراع بين الفلسطيني والعدو؛ بل هو تطهير وإبادة استمرت لثمانية عقود. ورغم ذلك، يرى الفزاري ضرورة إعادة النظر في إشكالين اعتاد عليهما العالم وهو يرى بسالة الفلسطيني ومقاومته في وجه العدو.
الإشكال الأول أن هذه المشاهد اليومية قد تؤدي بنا إلى التطبيع مع الدم، ويتساءل: هل لدى الصهاينة مشروع منهجي يهدف إلى اعتيادنا على كثرة مشاهد الدماء والقتل، حتى نصل إلى مرحلة من اللامبالاة نتيجة الاعتياد؟
أما الإشكال الثاني، كما يراه الكاتب، فهو أخطر من الأول؛ لأنه غير مُدرك، ولا يُتداول الحديث عنه على الإطلاق. فكما حوّل العدو الإنسان الفلسطيني إلى رقم، فإننا، من فرط التعاطف والانفعال، حولناه من حيث لا ندري إلى "أسطورة"، وكأن الطبيعي في حياته هو الموت والتضحية بروحه، فضلًا عن حاضره ومستقبله.
لقد صادرنا - دون قصد - حقه في أن يكون إنسانًا عاديًا، له لحظات حب وخوف وفرح، ولمسات بسيطة يعيشها مثل سائر البشر.
المحطة الثانية: المواطنة والسيطرة
تبدأ هذه المحطة باقتباس من إحدى أهم الروايات الديستوبية للروائي الإنجليزي جورج أورويل "1984" "الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها، كما أنها لا تتمرد أبدا لمجرد أنها مضطهدة"
ويتفق الكاتب مع عبارة أورويل حيث يقارنها بالواقع؛ ثم يضيف: إننا نعيش منذ عقود تحت ظل سلطات مركزية مطلقة، استطاعت من خلال هذه المركزية أن تقنن الوعي الجمعي عبر السيطرة على المعلومة والخطاب، بل واستمرت في ذلك حتى بعد ظهور الإنترنت.
ويؤكد على أن السلطة المطلقة لم تعد بحاجة دائمة إلى القمع المباشر، ما دامت قادرة على احتكار الخطاب وإعادة تشكيل وعي المجتمع. ومن خلال ذلك يصبح صوت الفرد امتدادا لصوت السلطة نفسها، حتى وإن كان يعيش حالة من التناقض النفسي؛ يكذب من أجل إرضائها، ويفعل ما تريده منه، والجميع يعلم أن هذا ليس سوى زيف متبادل، لكن لا أحد يتجرأ على قول ما قد يحرك النفوس أو يثير التساؤلات.
وتتم هذه السيطرة عبر تقنين تهم فضفاضة مثل "المساس بالنظام العام" أو "النيل من هيبة الدولة"، وهي أدوات تستخدم لحصر وعي المجتمع وضبط المجال العام. فالسلطة المركزية تدرك أن ازدياد الوعي يعني اتساع الفجوة بينها وبين المجتمع، لأن الوعي يقود بالضرورة إلى إدراك طبيعة النظام السلطوي الذي يقيد حرية الفرد ويعيد تشكيلها عبر الخطابات والبروتوكولات.
ويتوصّل إلى أن السيطرة تتخذ شكلين متوازيين: من جهة هناك الرقابة المباشرة، من حذف ومنع وتهديد بالعقاب، ومن جهة أخرى هناك صناعة مستمرة للرموز والطقوس. وهنا يتحول الواقع إلى ما يشبه المسرح السلطوي، حيث تتوزع الأدوارعلى الجميع، ويصبح أداء الدور أهم من الإيمان الحقيقي به.
ثم يطرح بذلك تساؤلا مهما: ماذا يحدث للإنسان حين يعيش طويلا داخل فضاء يفرض عليه فيه التمثيل؟ هل يبقى هذا التمثيل مجرد قناع خارجي، أم يتغلغل إلى الداخل مع مرور الوقت؟
ويستدل الكاتب بمفهوم "الاغتراب" عند ماركس، بمعنى أن الإنسان يعيش حالة اغتراب عن ذاته، بل وحتى عن وجوده؛ لأنه يتحدث بلغة ليست لغته، ويتبنى رموزا لا يؤمن بها، ويردد شعارات يعرف زيفها. وهذا ما يدفعه تدريجيا إلى فقدان القدرة على التمييز بين ما يفرضه عليه النظام وما ينبع من داخله.
بعد ذلك ينتقل إلى مفهوم المواطنة، وما أصبحت عليه اليوم مقارنة بما يفترض أن تكون عليه. إذ يرى أن السلطة أعادت تشكيل مفهوم المواطنة ليصبح قائما على الولاء والتطبيل، لا على الحقوق والمساواة. فأنت مواطن بقدر قربك من السلطة، وبقدر تماهيك مع خطابها تحصل على الامتيازات. بينما المواطنة في معناها الحقيقي تقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين دون تمييز ديني أو عرقي أو مذهبي. لكن ما تفعله السلطة هو خلق تراتبية واضحة: في القمة تقف السلطة، وتحتها الرعية بدرجات متفاوتة، وكلما أتقن الفرد الدور الذي تريده السلطة، ازداد قربا من الامتيازات وصعد داخل هذا السلم الاجتماعي المصطنع.
"ليست الحرية مجرد مساحة للفعل، ليست مجرد "حيّز" أو "هامش"؛ بل هي قدرة الإنسان على أن يقول "لا" في وجه السلطة"
محطة المرأة والرجل
ولأن المرأة تمثل نصف المجتمع، ينتقل بنا الكاتب إلى هذه المحطة التي يناقش فيها وضع المرأة في مجتمعاتنا العربية، وفي المجتمعات الأخرى بشكل عام.
يبدأ الكاتب من خلال قصة فردوس التي التقت بها نوال السعداوي، والتي لم يتبق لها سوى ساعات قليلة قبل تنفيذ حكم الإعدام. هذا اللقاء الذي أصبح لاحقا من أهم ما كتبته السعداوي، حيث سردت فردوس قصتها منذ طفولتها حتى لحظة وصولها إلى الزنزانة، كاشفة مأساة مجتمع يختزل المرأة في جسدها، ويحوّلها إلى أداة للشرف من خلال تداخل السلطة السياسية والدينية. سلطة جعلت من الحياة نفسها سجنا مفتوحا للمرأة تنتظر فيه مصيرها المحتوم.
فردوس، التي نشأت في بيئة يغلب عليها الحرمان والكبت، كانت أسئلتها الأولى عن الاختلاف بين جسدها وجسد شقيقها تقابل بالصمت والعقاب. لم يكن هذا الصمت مجرد موقف عابر، بل أداة ضبط اجتماعية ضمن ما يمكن تسميته بـ"السلطة التأديبية" كما طرحها فوكو.فالجسد هنا لا يُعامل كملكية فردية، بل كمساحة مشتركة تتدخل فيها العائلة والمجتمع والسلطة؛ من الختان الذي يُفرض باسم العادات، إلى الوعي الجنسي، وصولا إلى الزواج بوصفه نظام ضبط لا خيارا شخصيا.
في هذا السياق، لا تُرى المرأة كإنسانة كاملة، بل كأداة تؤدي وظائف محددة داخل بنية اجتماعية يهيمن عليها تصور ذكوري للوجود. ويتحول هذا التصور إلى نظام يعيد إنتاج نفسه، حيث يُستخدم العنف أحيانا كوسيلة لإثبات "الرجولة"، وكأن القسوة تصبح بديلا عن الضعف الداخلي أو العجز عن تحقيق ذات حرة.
وهنا يطرح فكرة أن هذا الوضع ليس انحرافا فرديا، بل منظومة متكاملة تتداخل فيها ثلاث سلطات: سلطة سياسية تقصي المرأة من المجال العام، وسلطة دينية تُعاد قراءتها بتأويلات ذكورية، وسلطة اجتماعية تجعل من الجسد مساحة للصراع بين "الشرف" و"العار".
لكن الكاتب يؤكد في المقابل أن هذه السلطة لا تقهر المرأة وحدها، بل تقيد الرجل أيضا، إذ تفرض عليه صورة نمطية صارمة للرجولة، تجبره على إثبات ذاته من خلال القوة والسيطرة، حتى يصبح هو الآخر أسيرا داخل قالب جاهز لا يسمح له بالتحرر من الدور المفروض عليه.
ومن هنا ينتقل إلى قضية التربية الجنسية باعتبارها منطقة مهملة في مجتمعاتنا، تتحول فيها المعرفة إلى محرم، والفضول الطبيعي إلى خوف وعقاب. فالجهل هنا لا يعني غياب المعلومة فقط، بل أحيانا يعني حضور معلومة مشوهة أو رفضا تاما لوجودها.
وبهذا ينتقل من "امرأة عند نقطة الصفر" إلى "سقوط الإمام"، حيث تتسع زاوية النظر ليكشف أن البنية الكبرى التي تجعل من قهر الجسد الفردي جزءا من منظومة سياسية ودينية أوسع. حيث يصبح الجسد رمزا للصراع، ويغدو انتهاكه امتدادا لانتهاك المجتمع كله، وكأن قهر المرأة يعكس اختلالا أعمق في بنية السلطة ذاتها.
وفي هذا السياق، لا ينفصل الخطاب الاستعماري عن البنية المحلية، إذ استُخدمت قضية المرأة أحيانا كذريعة للتدخل الخارجي، تحت شعار"تحرير المرأة الشرقية"، بينما استُخدمت داخليا لتبرير الصمت والقمع باسم التقاليد. وهكذا تلاقت السلطتان في إعادة إنتاج القهر، كل من موقعه.
"النسوية التي نحتاجها ليست قولبة جديدة للمرأة؛ بل إعادة الاعتبار لها كإنسانة حرة، تختار نمط حياتها بلا وصاية من رجل أو دولة أو حتى خطاب نسوي بديل."
محطة العقل والدين
ينطلق الفزاري في هذه المحطة من مثال وتجربة واقعية، عندما زار إحدى دول شرق آسيا، والتي امتدت قرابة شهر، وخلال هذه المدة لم يتعرض لأي محاولة غش أو تضليل أو خداع، رغم أن جميع معاملاته كانت نقدية. ولا يذهب إلى القول - كما يفعل بعضهم - إن ذلك بسبب غياب المنظومة الدينية مقابل حضور المنظومة الأخلاقية؛ بل يؤكد أن هناك منظومة داخلية راسخة تحكم هذا المجتمع، لا تقف في مواجهة الدين ولا تحده، بل تمثل جزءا عضويا منه. فهي قيم وممارسات لا تنبع فقط من خارج الإنسان عبر القانون، بل تنبع من ضمير حي ومن ثقافة جمعية تعتبر الصدق والنزاهة والانضباط جزءا من الهوية، لا مجرد نصائح أخلاقية.
ثم يضيف أن المجتمعات لا تخلو من تجاوزات فردية، بل إن هذا المجتمع نفسه الذي ذكره ربما يتعرض فيه، في زيارته القادمة، إلى أحد هذه التجاوزات. لذلك فهو لا يقدم هذا المجتمع بوصفه مثالا مطلقا للأخلاق، بل يرى أنه جعل السلوك الأخلاقي قاعدة لا استثناء. بمعنى أن الإخلال بهذه القاعدة يعد انحرافا، لا سلوكا يُغض الطرف عنه أو يُبرر بتأويل الفعل.
ومن خلال ذلك يعقد مقارنة اضطرارية مع مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل خاص، حيث الحضور الديني القوي، لكنك ستتحسس جيبك عندما تدخل السوق، وستتفاوض خشية من النصب والغش، وقد تصلي وأنت تفكر في نعالك التي خلعتها خارج المسجد.
ويتساءل: لماذا لا ينعكس هذا التدين الظاهري على السلوك الأخلاقي؟ ولماذا لا تنتج الشعائر تحولا حقيقيا في الضمير؟
ويضع عددا من الأسباب، أولها العائلة ثم المناهج الدراسية، ويرى أن هذه الأسباب تعود بشكل واسع إلى طريقة فهم الموروث الديني. ويستدل بمثال واقعي، حيث يُطلب من الطفل حفظ أركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة، لكنها لا تتضمن حديثا مباشرا عن الأخلاق، فلا يُلقن الطفل أن الصدق أو العدل أو الأمانة جزء أساسي من الإيمان. وهنا تتحول الأخلاق إلى مجرد إضافة تكميلية أو تجميلية.
كما أن بعض النصوص الدينية التي تعد الإنسان بالمغفرة لمن صلى وصام، تحولت - في الفهم الشعبي - إلى ما يشبه "صكوك الغفران"، فأصبحت الطقوس وكأنها وسائل تطهير آلي.
ويؤكد على أن الموروث الديني حجب أهمية الأخلاق خلف مسائل فقهية مثل الطهارة وسجود السهو وغيرها، حيث توسعت دائرة فقه العبادات، بينما تراجع فقه المعاملات والأخلاق النبوية. ويطرح في هذا السياق أفكار بعض المفكرين العرب الذين دعوا إلى استعادة البعد الأخلاقي للدين في مواجهة الجمود الشعائري. فمنهم من رأى أن التخلف الحضاري في المجتمعات الإسلامية يرتبط بانهيار منظومة الأخلاق، ورفض اختزال الدين في مجموعة من الأحكام والنواهي.
ومن الذين أصلوا لهذا الطرح طه عبد الرحمن، الذي يرى أن الأخلاق ليست مجرد جوهر الدين، بل شرط إمكان المعرفة الدينية نفسها، وهي التي تميز بين التدين الصالح والتدين الفاسد. فعند طه، لا يقوم الدين على علاقة تعاقدية بين المكلف وربه، بل على علاقة إحسانية تتجلى في السلوك لا في الممارسات الشعائرية وحدها. لهذا يدعو طه إلى "تجديد المنهج الأخلاقي" في فهم الدين حيث يصبح الخلق مدار التكليف، لا مجرد الامتثال الخارجي.
لذلك يرى من وجهة نظره أننا بحاجة إلى تدين يجعل الأخلاق جوهر التدين، ويعيد مركزيتها إلى صميم الخطاب الديني، دون الحاجة إلى ثورة على الدين أو قطيعة معه، بل من خلال العودة إلى روحه الأولى وروح الأديان عموما.
كما يعقد الكاتب مقارنة بين العقود الدولية والموروث الديني، فيضرب أمثلة في الجانب السياسي والاجتماعي والأخلاقي، ويرى أن بعض الأحكام الشرعية التي تتعارض مع المواثيق الدولية قد لا تطبق عمليا، لكنها لا تزال تُدرّس في المناهج وتُلقن بأشكال مختلفة.
وفي النهاية، يدعو المسلمين إلى الاعتراف بعمق هذه المشكلة وخطورتها، وإلى إعادة قراءة الموروث الديني بدءا من القرآن نفسه، بما يتناسب مع روح العصر، ولو اضطر الأمر إلى توقيف آية لا تتناسب مع عصرنا. فهو كما يقول لا يحمّل الدين مسؤولية الأزمة، بل يوجه نقده إلى الموروث الديني وبعض القراءات والتفسيرات التي تشكلت عبر التاريخ.
"لا نحتاج إلى تدين مؤسسي يضيف إلى حياتنا مزيدا من الطقوس السلطوية؛ بل إلى دين يجعل الأخلاق جوهرا للتدين، ويعيد مركزيتها إلى صميم الخطاب الديني. ولا يتطلب ذلك بالضرورة ثورة على الدين ولا قطيعة معه؛ بل عودة إلى روحه الأولى؛ روح جميع الأديان"
محطة الوجود والعبث
نختتم الكتاب بهذه المحطة، ولكن بكل تأكيد لن تنتهي الأسئلة؛ بل ربما ستتراكم أكثر. فالحرية هي الفكرة التي يبدأ بها الكاتب هذه المحطة، حيث يستعرض عددا من المدارس الفلسفية التي رغم اختلافها في بعض الجزئيات تجتمع حول مركزية الحرية، بداية من فولتير، مرورا بـ كيركغور، نيتشه، وهايدغر، وصولا إلى سارتر وكامو.
فولتير وإن لم يكن ملحدا بالمفهوم المعاصر كان من المؤسسين لفكرة الفردانية، ودعا إلى توسيع مساحة الحرية الإنسانية. ومن بعده جاء كيركغور ليتحدث عن القلق الملازم لهذه الحرية، وهو ما عبّر عنه بمفهوم دوار الإمكان"، بمعنى أن الإنسان عندما يصبح أمام خيارات متعددة ولا نهائية، ومع امتلاكه حرية الاختيار، يدخل في حالة من القلق لأنه وحده من يتحمل مسؤولية القرار.
ثم جاء نيتشه ليعلن "موت الإله"، وهي العبارة التي لا تُفهم بمعناها الحرفي، بل باعتبارها إشارة إلى انهيار المرجعية والمعنى الذي كانت تستند إليه أوروبا لقرون طويلة. ومع هذا "الموت"، أصبح الإنسان التصور حرا في أن يخلق معناه الخاص، وأن يؤسس قيمه بنفسه، بعد سقوط المرجعيات المطلقة التي كانت توجهه.
خلال الحربين العالميتين، ومع حصد الملايين من الأرواح، أصبح سؤال الوجود ملحا في هذه الظروف، فلم يعد سؤالا ترفيا، بل صرخة في مواجهة هذا الموت. جاء فلاسفة لتأصيل الفلسفة الوجودية، وكان هايدغر في كتابه "الكينونة والزمان" قد أصّل لمعنى الوجودية، فيقول: "لا معنى يسبق التجربة الإنسانية، بل المعنى يتشكل في فعل الوجود نفسه، في وعي الكائن بزمانيته وفنائه".
وقد كان تأثير هايدغر كبيرا على سارتر، والذي ارتبطت الوجودية باسمه من خلال كتابه "الوجودية نزعة إنسانية"، وقوله: "الوجود يسبق الماهية"، بمعنى أن الإنسان يوجد أولا ثم يصنع ماهيته، أي أن الإنسان مشروع مفتوح، حرية مطلقة، لكنها أيضا مسؤولية مطلقة.
يؤكد الكاتب أن الوجودية بهذا المعنى ليست فلسفة لها محددات وأطر صارمة، بل هي انطلاق من فكرة رئيسية واحدة: أن الإنسان هو أساس الوجود ومنطلقه، وأن ماهيته مرتبطة به ككائن حر مستقل قادر على أن يحدد حياته بنفسه. ومن هذا المنطلق ترفض أي فلسفة أو ديانة أو أيديولوجية تزعم عكس ذلك، وترى أنها تفقد معناها في المنظور الوجودي.
وخلال الفترة نفسها ظهر الفيلسوف والروائي ألبير كامو، وانطلق من فلسفته الوجودية الخاصة، والتي تتمايز عن "الوجودية السارترية"، إلى ما عُرف بـ"العبثية الكاموية". ويقول كامو إن الإنسان لديه ثلاثة خيارات في رحلته لمواجهة العبث والبحث عن المعنى.
الخيار الأول هو أن يسلم الإنسان بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش، فينتحر، وهذا ما يرفضه كامو، حيث إن الانتحار هو اعتراف بجدية الحياة وخضوع لها، وهذا ما يزيد العبث عبثا أكبر.
والخيار الثاني أن يستمد الإنسان معنى لحياته من سلطة أو قوة غيبية عليا تحدد ماهيته قبل وجوده، لكنه يرفض هذا الخيار ويراه شكلا من العبث، لأنه يكشف تناقضا بين هذا المعنى المقترح وجوهر الوجود، لذلك يصفه بـ"الانتحار العقلي".
أما الخيار الثالث والأخير فهو أن يختار الإنسان عيش العبث بوعي، دون أن يخضع له أو يحاول إلغاؤه، وأن يستمر في الفعل رغم إدراكه أن الطريق لا يؤدي إلى يقين، وأن يواصل الوجود حتى يدرك عبث الفعل ذاته.
لذلك لا يتوافق هذا الخيار مع جوهر الأديان، فالأديان بطبيعتها تقدم مصلحة الجماعة على الفرد، وتخاطب العقل الجمعي قبل الفردي، وتقدم إجابات عامة لكل الناس رغم الاختلافات العميقة بينهم.
وهذا هو جوهر الأديان التي جاءت لسد فجوات معرفية ونفسية واجتماعية. لذلك فالعبث عند كامو ليس فكرة مجردة، بل تجربة معيشة، تتجلى في الهوة بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم الذي لا يجيب.
"فالمعنى هنا لا يمنح؛ بل يولد من التمرد على اللا معنى، من الإصرار على الحياة رغم خوائها. والعبث لا يمحى، لكنه يحتضن كما هو، ويعاش بصدق، تماما كما يواصل سيزيف دفع صخرته إلى القمة، لا لأنه ينتظر خلاصا؛ بل لأنه وجد في التمرد نفسه شكلا من أشكال الخلاص."
رأي:
الطرح قوي ومتماسك حول القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى، ورغم الاتفاق الكبير بيني وبين ما طرحه الكاتب، خاصة في عودته إلى القضايا المعاصرة التي أرى أنها من أكثر القضايا إلحاحا في واقعنا اليوم، والتي لو استطعنا مناقشتها بعمق، والتنظير لها، وتأصيلها بصورة صحيحة، لربما كنا في حال أفضل من هذا الذي نعيشه الآن، فإن ذلك يُحسب للكاتب بلا شك. إذ إن مجرد الالتفات إلى هذه الإشكالات ومحاولة فتح باب النقاش حولها يعد خطوة مهمة في ظل حالة الجمود أو الهروب من مواجهة الأسئلة الكبرى التي يعيشها واقعنا الفكري والاجتماعي. كما أنه سهّل على القارئ طريقة عرض القضايا، من خلال تقسيم الكتاب إلى محطات معنونة ذات ترتيب ممتاز، بحيث تبدو كل محطة امتدادا وتكملة لما سبقها، فبدأ بالإنسان وانتهى إليه.
وأيضا يجب الالتفات إلى نقطة مهمة، وهي أن الكتاب تميز بسهولة الأسلوب والصياغة والمصطلحات، كما حرص الكاتب على توضيح بعض المفاهيم والمصطلحات من خلال السياق الذي وردت فيه، مما جعل الأفكار أكثر قربا ووضوحا للقارئ.
إلا أنني أجد نفسي مختلفا معه في بعض الأفكار، وعلى رأسها فكرة "تحويل القضية الفلسطينية من قضية إنسانية إلى قضية دينية". وإلى جانب ذلك، هناك ملاحظات أخرى تتعلق ببعض المحطات الاحقة، لكن ربما لا يتسع المقام للتفصيل فيها، أو ربما بسبب تكاسلي عن التوسع في التفكيك، غير أنني سأحاول جمع هذا الاختلاف في نقطة واحدة أساسية يمكن أن تختزل مختلف المحطات.
إن ما يقوم به الاحتلال من قتل وتهجير وتطهير عرقي باسم اليهودية، لم تستند إليه الصهيونية إلا من خلال تأويلات دينية مرتبطة بما يسمى "أرض الميعاد"، كما أن المشروع الصهيوني نفسه نشأ داخل بيئة مسيحية أوروبية داعمة له. ثم إن هذا الاحتلال لم يكن أول مشروع استعماري يستخدم شعارات أخلاقية أو حضارية أو دينية لتبرير أفعاله؛ فقد سبقه الاستعمار الأوروبي الذي دخل إلى الشعوب باسم الحرية ونشر الحضارة والدين، بينما كان يمارس القتل والنهب والسيطرة.
ولم يكتف الغرب بذلك، بل عمل أيضا على تصدير صورة مفادها أن كل مقاومة هي إرهاب وعنف، وهي سردية تكررت تاريخيا خلال مقاومة الاحتلال البريطاني والفرنسي والبرتغالي والإسباني. ولذلك فمن الطبيعي اليوم أن يحاول تقديم أي مقاومة فلسطينية إلى مجتمعاته باعتبارها إرهابا، بغض النظر عن الأيديولوجيا التي تستند إليها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: على أي أيديولوجيا يفترض أن تستند المقاومة؟ هل على القانون الدولي الذي صاغته أساسا الدول الاستعمارية نفسها؟ أم على خطابات السلام والتطبيع التي لم تستطع إيقاف التهجير والقتل والاستيطان؟
ذلك أنه لا يوجد أيديولوجيا أو شريعة تستطيع تحشيد الجماهير وتثير الحماس بداخلها كما يفعل الدين الإسلامي وذلك من خلال مقاصد الشريعة والآيات القرآنية التي تأمر برد العدوان الغاشم ورد المعتدي، وهذا لا يقصي حق الفلسطيني غير المسلم؛ بل يتشارك مع المسلم في الوطن و في المقاومة، وليس من حق الجماعات الإسلامية في اقصاءه، بيد أن الشريعة قامت بحفظ الحقوق وصيانة الكرامة الإنسانية للمسلم وغير المسلم بغض النظر عن الاختلاف في المعتقد أو الطائفة.
لذلك أعتقد أن المشكلة ليست في كون المقاومة ذات بعد ديني أو إنساني كما يطرح الكاتب، بل في محاولات نزع شرعية المقاومة نفسها من الدول الاستعمارية. فالدول الاستعمارية، إلى جانب بعض الأنظمة العربية وبعض رجال الدين، عملوا على تجريد المقاومة من بعدها الأخلاقي والشرعي، وتحويلها إلى تهمة سياسية أو أخلاقية.
أضف إلى ذلك أن جزءا من الخطاب الحداثي العربي ساهم أيضا في إضعاف كثير من القيم الإسلامية المرتبطة بالمقاومة والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سعيا إلى تقديم صورة أكثر قبولا أمام الغرب، الذي أصبح يتعامل مع أي حديث عن المقاومة بوصفه تطرفا، ومع كثير من المفاهيم الدينية بوصفها تشددا. حتى وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها مجرد الحديث عن الجهاد أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يثير حساسية كبيرة داخل المجتمع والحكومات العربية. لذلك أرى أن المقاومة لم تبدأ تضعف إلا مع صعود بعض الخطابات العلمانية والديمقراطية بصيغتها المستوردة، بعد أن حاول الحداثي العربي تصديرها إلى مجتمعاتنا دون مراعاة لاختلاف البيئة الفكرية والثقافية. ومع الوقت ظهر خطاب عربي أخذ يتغنى بالتطور العلمي والمؤسساتي للاحتلال الصهيوني وبما يصفه بالديمقراطية، وفي المقابل بات ينظر إلى المجتمعات العربية والإسلامية نظرة اختزالية لا يرى فيها سوى التخلف والفشل، متجاهلا السياق التاريخي والسياسي الذي تعيشه هذه المجتمعات.
وعندما ننتقل إلى "محطة المرأة والرجل" و"محطة العقل والدين"، سنجد أن الخطاب الغربي ينتقل الينا عن طريق الحداثي العربي بنظرة تصالحية مع الدين، من خلال بعض المصطلحات الرنانة مثل "عدم القطيعة مع الدين" و"عدم الثورة على الدين"، لكن لا أرى في ذلك إلا نوعا من التوهيم للقارئ. إذ أن الكاتب نفسه، في هذه المحطات، عندما يدعو إلى إعادة قراءة النص الديني بدءا من القرآن، يصرح بوضوح بضرورة نزع القدسية عنه والتعامل معه كأي نص آخر، بل وربما يصل الأمر في نظره إلى توقيف بعض الآيات بحجة عدم ملاءمتها للواقع.
وهذا في تقديري يشبه إلى حد كبير ما حدث في أوروبا عندما نُزعت القدسية عن الكتاب المقدس، ثم خضع للنقد والتأويل، حتى انتهى الأمر إلى تراجع دوره العملي في الحياة، وأصبح البعد الديني مجرد شكل بلا روح أو أثر حقيقي في الواقع.
وأنا لست ممن ينكرون هذه القضايا، وواقع الظلم الذي تتعرض له المرأة، سواء في مجتمعاتنا أو في غيرها، لكنني أعترض على الخطاب والمبادئ التي يقوم عليها هذا الطرح. فأنا ضد التقليد الذي أراه من أبرز أسباب عرقلة المجتمعات، إذ لم أجد في طرح الكاتب استقلالية حقيقية في التفكير، ولا إبداعا في الحلول التي يدعو إليها. بل بدا لي أنه ينقل الخطاب الغربي والفلسفة الغربية ذاتها إلى مجتمعات تختلف عن الغرب في بيئتها الفكرية والاجتماعية والثقافية؛ فتارة يدعو إلى العلمانية، وتارة إلى الحرية الفردية المطلقة، وتارة إلى إزالة القدسية عن النص القرآني.
فعندما ننظر إلى واقع الغرب وحداثته، نجد أن العلمانية لم تكفل حقوق جميع الطوائف، كما أن العنصرية ما تزال واقعا تعيشه تلك المجتمعات. بل إن العلمانية ذهبت إلى أبعد من ذلك، كما يطلق عليها المسيري، بـ"العلمانية الشاملة"، حيث تجاوزت مجرد فصل الدين عن الدولة إلى فصل الدين عن جميع جوانب الحياة، حتى أصبح الإنسان يعيش في عالم مادي مجرد من الروح، وأصبحت الحقيقة نسبية والأخلاق متغيرة، بينما تحولت المادية إلى القيمة المهيمنة على الإنسان الغربي.
وهنا ربما سيخطر على القارئ أن هذا التحليل يفترض وصول المجتمعات الغربية بالضرورة إلى حالة من الانفصال الكامل عن الدين، وهذا ليس أمرا حتميا في كل الحالات!. ربما هذا صحيح لو كانت هناك مرجعية وإطار أخلاقي.
ولكن الإشكال يكمن في غياب مرجعية أخلاقية ثابتة ومطلقة تحكم المجال العام، بحيث إن فصل الدين عن الدولة لا يعني فقط تنظيم السلطة السياسية، بل قد يفتح المجال أمام تنوع واسع في المرجعيات القيمية دون إطار موحد ضابط. ومن ثم يصبح من الصعب التحكم في النتائج الأخلاقية أو الاجتماعية التي تترتب على سلوك الأفراد داخل المجتمع.
ومن هنا تظهر أيضا فكرة الحرية الفردية المطلقة المتعلقة بجسد المرأة، باعتبار أنها المالكة الوحيدة لجسدها وصاحبة القرار المطلق فيه. وأرى أن هذا التصور ساهم في بعض جوانبه في تحويل المرأة داخل المجتمعات الغربية إلى أداة استهلاكية أو جنسية، سواء عبر صناعة الإباحية أو عبر الثقافة الاستهلاكية الحديثة. كما يشير إلى أن هذا النموذج أدى إلى تفكك البنية الأسرية وارتفاع معدلات الطلاق، حتى أصبحت محاكم الأسرة والطلاق جزءا أساسيا من الواقع الاجتماعي هناك، بل ووصل الأمر في كثير من الحالات إلى اللجوء لفحوصات الحمض النووي لإثبات النسب وتحديد الأب الحقيقي، وهو ما يُطرح بوصفه أحد آثار التحولات التي أصابت مفهوم الأسرة والعلاقات داخل المجتمعات الغربية.
ومع ذلك، فأنا لا أنكر ما تعيشه المرأة العربية والمسلمة من صور ظلم أو تهميش، كما لا أستطيع إنكار أن بعض مجتمعاتنا "المحافظة" وصلت إلى نتائج مشابهة في بعض الجوانب، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: متى بدأت تنتشر أكثر؟ وهل يكون الحل عبر النقل الكامل للنموذج الغربي؟ أرى أن بعض الخطابات النسوية العربية لم تحاول نقد هذه الأفكار أو تنقيتها بما يتناسب مع واقعنا، بل قامت أحيانا باستنساخها بصورة شبه كاملة.
كما أن هذه الأطروحات تتقاطع مع فكرة نزع القدسية عن النص القرآني، من خلال تبني قراءات وتأويلات متأثرة بالسياق الغربي، أحيانا دون معرفة كافية بعلوم القرآن ولغته وسياقه المعرفي. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بعض القراءات الدينية داخل مجتمعاتنا قد شوهت صورة الدين وحولته إلى خطاب عنف أو إقصاء. لكن هل يكون الحل في نزع القدسية عن النص نفسه، أو في تعطيل بعض الآيات بدعوى عدم توافقها مع العصر، كما حدث مع الكتاب المقدس في أوروبا؟ أم أن المشكلة في القراءة البشرية للنص لا في النص ذاته؟ بل الكاتب نفسه في محطة العقل والدين قد ذكر نصوص أساسية لا تحتاج إلى تأويلات، نصوص واضحة عن مكارم الأخلاق، فهل رسالة الإسلام مجزئة أم أنها رسالة واحدة مكتملة، وهي رسالة الإسلام الوسطية؟ فلماذا يدعو إلى تعطيل قدسية القرآن وتوقيف الآيات إن اضطر الأمر؟ لماذا لا نكتفي إلى نقد القراءات التي قامت بتشويه وتحريف النص؟ حيث لا يستطيع أحد بأن ينكر أن الإسلام حفظ حرية الإعتقاد والتعبير وتكريم المرأة وتطوير جوانب الحياة الإقتصادي والسياسي...
كما طرح الكاتب بعض المسائل الفقهية التي يكثر تداولها في الخطاب الحداثي العربي، مثل السبي وملك اليمين وشهادة المرأة والميراث، إضافة إلى قضايا الرق وحرية الاعتقاد. وهذه القضايا قد خضعت لنقاشات طويلة وردود متعددة. لكن السؤال الذي يبقى مطروحا بالنسبة لي هو: على أي أيديولوجية أو مرجعية فكرية يستند الكاتب في تحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ؟ وما المرجعية التي يعتمد عليها في تعريف الخير والشر؟
نذكر مثال الرق، وعلينا أن ننظر إليه من زاويتين: تاريخية وأخلاقية.
بداية، تم إلغاء الرق في المستعمرات الفرنسية عام 1789، لكن نابليون أعاده مرة أخرى عام 1802، ثم أُلغي نهائيا عام 1848. وهنا أطرح سؤالا: ما المرجع الذي استندوا إليه لإلغاء الرق؟ ففي هذه الفترة، ومع بدايات الثورة الفرنسية، تزامن أيضا ظهور الآلة، المحرك البخاري. وعندما تجد آلة تقوم بما يقوم به المسترق دون الحاجة إلى دفع تكاليف المسكن والمأكل، وعندما تستطيع هذه الآلة العمل لساعات طويلة دون توقف، بخلاف الإنسان الذي يحتاج إلى الراحة، فهل سيستمر الاسترقاق بالشكل نفسه؟
بغض النظرعن ذلك، فإن خطابات حقوق الإنسان في فرنسا خلال الثورة الفرنسية لم تشمل المستعمرات الفرنسية مثل "هايتي"؛ بل إن بعض فلاسفة أوروبا أخرجوا غير الأوروبي من دائرة الإنسان الكامل، ووضعوا تراتبا بين البشر، يتصدره الأوروبي الأبيض بوصفه النموذج الأعلى للتطور البشري، بينما وُضع الإنسان الأسود في أسفل هذا الهرم بصورة أقرب إلى النظرة الحيوانية. وهذا ما لا يمكن تخطيه أو تأويله.
لذلك أرى أن الغرب في كثير من الأحيان لا ينتج القوانين إلا بما يخدم مصالحه الاقتصادية والسياسية، لا انطلاقا من مرجعية أخلاقية ثابتة أو إطار قيمي مطلق. بل ربما قد يضطر مستقبلا إلى إعادة أشكال جديدة من الاستغلال والرق إذا اقتضت مصالحه ذلك، تماما كما يحدث في القانون الدولي الذي يُستخدم غالبا بما يخدم الدول العظمى. حيث نستطيع أن نرى بأن إلغاءه وإعادته كانت لمصالح سياسية واقتصادية.
وعندما ننظر تاريخيا إلى الرق في الإسلام، نجد أنه لم يبدأ مع ظهور الإسلام، ونعم، لم يأت نص صريح بإلغائه بشكل مباشر؛ لأنه كان نظاما سائدا في العالم كله آنذاك. لكن الإسلام وضع له شروطا وأطرا أخلاقية لم يكن المسلم قادرا على تجاوزها. فمنذ ظهور الإسلام تغيرت طبيعة العلاقة مع المسترَق، فلم يكن من حق السيد أن يميّز نفسه عنه في الملبس أو المأكل أو المعاملة، كما ركز الإسلام على تقليص الرق من خلال الكفارات والمكاتبة والتدبير، بل وجعل تحرير الرقاب عقوبة على ظلم المسترِق.
ومن خلال ذلك يتضح أن وجود النص لا يعني بالضرورة إباحة الظلم أو الجور أو القتل، بخلاف ما شهدته أوروبا ومستعمراتها من ممارسات وحشية، تذكرها المصادر التاريخية عن المجازر التي ارتكبها الاستعمار الأوروبي في أفريقيا والأمريكيتين وشرق آسيا.
كما أن المسلم اليوم لا يستطيع الاسترقاق، لأن الواقع قد تغير وانتهى هذا النظام، وهناك ما يسميه الأصوليون بـ"وحدة الفهوم وتعدد المصاديق"، أي أن الأحكام تُفهم ضمن مقاصدها وأطرها العامة مع تغير الواقع وتبدل الأزمنة.
ومن هنا أرى أن هناك إطارا أخلاقيا ثابتا يستند إليه المسلم، بخلاف المرجعيات الغربية الحديثة أو القوانين الدولية التي تتغير في كثير من الأحيان بحسب مصالح الدول الكبرى وتحولاتها السياسية والاقتصادية.
يستخلص مما سبق أن نقطة الاختلاف لا تكمن في أهمية هذه القضايا، ولا في ضرورة إعادة طرحها وربطها بالواقع، بل في المبادئ والمرجعيات التي تُستورد منها الحلول. وقد تبيّن أن الكاتب نقل بعض الأطروحات التي ليس من البديهي نقلها إلى بيئتنا الفكرية والاجتماعية، تحت محاولة الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، حيث هذه المحاولات قد تؤدي إلى نتائج عكسية، فتزيد من تعقيد القضية بدل معالجتها. ويتضح ذلك عند مقارنة هذه الأطروحات بواقع الحداثة الغربية وما آلت إليه بعض نتائجها الاجتماعية والفكرية والأخلاقية. وبما آلات إليه مجتمعاتنا العربية والإسلامية بشكل عام، حول القضية الفلسطينية والقضايا الأخرى. وندفع الآن ضريبة تغريب العقل العربي.
وهذا ما قام به طه عبد الرحمن من خلال مشروعه، ولا نستطيع فصل "تجديد المنهج الأخلاقي" عن مشروعه الكامل الذي يقوم على تأسيس حداثة عربية إسلامية من خلال "مبادئ روح الحداثة"، لا أن نستورد من - كما يطلق عليها طه - "واقع الحداثة الغربية". أضف إلى ذلك جلد الذات الذي أصبح بالنسبة لنا عادة يومية لا غنى عنها.
أرى بأن علينا أن نكتفي من جلد الذات، إلى المحاولة لتأسيس بما يتناسب مع بيئتنا الفكرية والاجتماعية. أن نعترف بالقضايا وما آلت إليه، ولكن علينا أن نكُف عن جلد الذات.
ختاما: هذا الاختلاف هو مما خلقنا الله عليه، ليكون سببا في التدافع والتفكير والتطور. ولا ينبغي أن يُفهم الاختلاف على أنه إفساد للقضية أو استنقاص منها، بل هو مساحة للنقاش وإعادة النظر. ومن هنا تأتي أهمية أن تُناقش القضايا بوعي، وأن تُعاد إلى الواقع كلما غُيّبت أو حُجبت، حتى تظل حاضرة في الوعي العام ولا تتحول إلى أفكار مجردة بعيدة عن الحياة.


تعليقات
إرسال تعليق