مما سمعته أذناي ورأته عيناي: شذرات حول المعارضات الخليجية - محمد الفزاري
بعد مضي قرابة اثنتي عشرة سنة في المنأى، أستطيع القول بثقة لا بأس بها، إن من أعطاب طيف من المعارضات الخليجية، أو الجهات المحسوبة عليها، هو ليس نقص الشجاعة؛ بل الكسل المعرفي!
وكما هو الحال عند رصد وتحليل أية ظاهرة اجتماعية؛ فإن التعميم هنا خطأ؛ إذ لا شك في وجود استثناءات، وأتشرف بمعرفة أو صداقة بعضها، غير أن الحديث هنا ينصرف إلى نمط محدد بعينه.
كما أنّ هذا التوصيف لا يشمل أي لاجئ أو مغترب ما زال في سنواته الأولى خارج وطنه، ويتلمس طريقه في حياة جديدة؛ فقد كنت يومًا في هذا الموضع، وأدرك جيدًا قسوة التحديات، حين يجد المرء نفسه مضطرًا للبدء من الصفر تقريبًا!
أعني بالكسل المعرفي، غياب القراءة المنهجية وضعف التوثيق والاتكال على الانطباعات بدلاً من المعلومات الموثقة، وافتقار الفعل السياسي إلى بنية فكرية تستثمر المعرفة؛ سواء أكان على مستوى المبادرات الفردية أو على مستوى العمل المنظم.
في الواقع، هناك شبه اعتماد كامل على الصراخ والعويل في وسائل التواصل، بلا عمل معرفي أو مؤسسي جاد. اسأل نفسك: كم مرة قرأت كتابًا رصينًا أو دراسةً علمية أو مقالة جادة لمعارض خليجي، تتقاطع مع نشاطه السياسي أو الحقوقي اليومي؟ وكم منظمة جادة ومحترفة في مجالها سمعت عنها أُسست على يد معارضين، ويتقاطع عملها فعلاً مع نشاطهم؟
بل كم مرة شاهدت قناة يوتيوبية لمعارض خليجي، عميقة في طرحها، تمتلك مشروعًا رصينًا يتقاطع محتواه مع نشاطه؟ وكم مرة قرأت عن حملة علاقات عامة احترافية وغير مأدلجة تركت أثرًا، قادها معارضون وتتقاطع مع عملهم السياسي؟ بل كم مرة رأيت عملًا فنيًّا متحققًا لمعارض يتصل فعلاً بنشاطه اليومي؟
للأسف؛ ما نراه في الغالب هو الكثير من الإسفاف والشيطنة والسباب والصراخ. وفي أحسن الأحوال، آراء تقدم بثقة مفرطة، ثم تكتشف أن صاحبها غير متابع للتطورات، وأن معلوماته من محيطه، ومحيطه بدوره يعيش على معلومات من محيط آخر: سلسلة مغلقة من الشيطنة والقيل والقال بلا بحث جاد. وهذا جعل جزءًا من المعارضة أقل من أن يؤخذ على محمل النقد أصلاً.
المفارقة هي أن كثيرًا ممن هم داخل دوائر الأنظمة التي تُهاجم، حتى وإن اختلفنا معهم سياسيًا أو أخلاقيًا أحيانًا، يكونون في العادة أكثر اطلاعًا على الواقع، وأكثر خبرة بتعقيداته، وأكثر فهمًا لتوازناته الداخلية والخارجية مقارنة بمعظم هؤلاء "المعارضين". ليس لأنهم عباقرة بالضرورة، ولا لأن خصومهم أقل ذكاء؛ بل لأن الدولة أكثر قدرة على استقطاب العقول وشبكات الخبرة، من مسؤولين متمرسين، ومستشارين، وبيروقراطيات ذات معرفة متراكمة.
بينما هذا النمط من المعارضين يصرخ من الخارج، دون أدوات، ودون معرفة، ودون استعداد لتحمل كلفة الفهم. فأية معارضة لا تعمل على تطوير نفسها، ولا تقرأ، ولا تنتج معرفة رصينة، ولا تفهم ما تنتقده، لكنها تجيد الشيطنة فقط بوصفها بديلاً أسهل، لا أعتقد أنه يعول عليها.
نعم، أنظمتنا بها مساوئ، وأحيانًا كوارث؛ خصوصًا فيما يتعلق بالحقوق الأصيلة وميزان المواطنة. لكن الإنكار المؤدلج لا يغير حقيقة أن هذه الأنظمة، إضافة إلى ما ذكرت أعلاه، وبحكم بقائها وممارستها للسلطة، هي أكثر فهمًا للواقع وأكثر قدرة على إدارة تعقيداته مقارنة بمعارضاتها الحالية في الخارج.
إن تلك المعارضات التي تعيش أحلامًا وردية عن إصلاح أو إسقاط الأنظمة، دون أي جهد حقيقي في البناء أو التنظيم أو الجاهزية، تجد دائمًا شماعة جاهزة: "العامل الدولي". بكل تأكيد العامل الدولي لاعب مهم؛ بل حاسم أحيانًا، ويمكن تسميته "الفرصة"، بيد أن الفرصة وحدها لا تصنع معجزات.
وليس هذا لغزًا؛ بل ما تؤكده جُلُّ -إن لم تكن كل- أدبيات الحركات الاجتماعية: الفرص السياسية لا تكفي دون تعبئة موارد وبناء تنظيم. ولذلك، يقوم الحظ السياسي على ركيزتين: الجاهزية والفرصة، ومن لا يملك الأولى؛ سيضيّع الثانية، حتى لو سقطت من السماء!
لمن لديه اهتمام أكبر بهذه القضية؛ فقد سبق وأن كتبت مقالتين: الأولى بعنوان "المعارضة الخليجية بين المنأى والمنفى: الواقع والمأمول"، وهي مقالة مقتضبة نُشرت في (مواطن). أما المقالة الثانية؛ فهي أكثر تحليلًا وعمقًا من الأولى، أو هكذا أزعم، بعنوان "المعارضات الخليجية في الخارج: بين جدل الشرعية واتهامات التمويل"، وقد نُشرت في (مركز أمن الخليج).


تعليقات
إرسال تعليق