الوصم والعنف البنيوي في حياة النساء - محمد الفزاري




في كثير من النقاشات العامة حول العنف ضد النساء، يجري التركيز على الحوادث الفردية من قبيل: امرأة اختفت، وأخرى تعرضت للابتزاز أو عاشت سنوات من العنف داخل بيتها. غير أنّ النظر إلى هذه الوقائع بوصفها أحداثًا معزولة يطمسُ البنية الأعمق التي تجعلها ممكنة، وما يظهر في الأخبار غالبًا ليس سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الضغوط الاجتماعية والقانونية والاقتصادية. تتغذى هذه السلسلة من منظومة أوسع، يمكن فهمها نظريًا من خلال مفهومين أساسيين حسب فهمي: “الوصم الاجتماعي” كما حلله عالم الاجتماع الكندي إرفينغ غوفمان (Erving Goffman)، و”العنف البنيوي” كما صاغه عالم الاجتماع الآخر النرويجي يوهان غالتونغ (Johan Galtung). الأول يشرح كيف تصنع المجتمعات آلياتٍ رمزيةً لعزل الأفراد وإسكاتهم، والثاني يوضح كيف تنتج المؤسسات والقوانين والهياكل الاجتماعية أنماطًا من الأذى غير المباشر، لكنها لا تقل خطورةً عن العنف المباشر. وفي هذه المقالة المقتضبة؛ سأستعرض بعض هذه الأنماط:


في كتابه “الوصم”، يوضح غوفمان أنّ الوصم ليس مجرد حكم أخلاقي عابر؛ بل نظامًا اجتماعيًا كاملاً يعيد تعريف هوية الفرد في نظر المجتمع؛ فلا يُعاقَب الشخص الموسوم على فعل محدد فقط؛ بل يعاد تعريفه بوصفه شخصًا ناقصًا أو غير جدير بالثقة. في هذا السياق تتحول السمعة إلى ما يشبه محكمة موازية، تحاكم الأفراد خارج المؤسسات القانونية. يساعد هذا الإطار على فهم سبب تردد كثير من النساء في الإبلاغ عن العنف أو الابتزاز أو طلب الدعم النفسي، لذلك فأحيانًا لا تكون المشكلة في الجريمة ذاتها فحسب؛ بل في الخوف من الحكم الاجتماعي الذي قد يكون أكثر قسوة من الحكم القانوني.


تظهر هذه الديناميكية بوضوح في قضايا العنف الأسري؛ فالأسرة التي يفترض أن تكون مساحة حماية، قد تتحول في بعض الحالات إلى مصدر خطر، وقد يحدث الضرب والاحتجاز والإكراه داخل البيت، لكن ثقافة “الستر” غالبًا ما تمنع تحويل هذه الوقائع إلى قضايا عامة. هنا يعمل الوصم بوصفه آلية لإعادة إنتاج العنف. قد تخشى الضحيةُ الفضيحةَ أكثر مما تخشى المعتدي، وقد يفضل المجتمع الصمت على المواجهة حفاظًا على صورة العائلة. هكذا يصبح العنف شأنًا خاصًا لا يجوز كشفه، حتى عندما يكون مدمرًا للفرد الضحية.

 

الوصم ليس مجرد حكم أخلاقي عابر؛ بل نظامًا اجتماعيًا كاملاً يعيد تعريف هوية الفرد في نظر المجتمع؛ فلا يُعاقَب الشخص الموسوم على فعل محدد فقط؛ بل يعاد تعريفه بوصفه شخصًا ناقصًا أو غير جدير بالثقة

 

غير أنّ المشكلة لا تقف عند الثقافة الاجتماعية؛ فالعنف في كثير من الأحيان يتغذى أيضًا على ثغرات قانونية ومؤسسية؛ فالإجراءات القضائية المعقدة وبطء البتّ في قضايا النفقة والحضانة، ضعف آليات التنفيذ وغياب مراكز الإيواء الآمنة، كلها عوامل تجعل الوصول إلى العدالة عملية شاقة. هنا يصبح مفهوم “العنف البنيوي” الذي طرحه غالتونغ في مقالته “العنف والسلام” مفيدًا لفهم الصورة؛ حيث يرى أنّ الأذى لا ينتج فقط من أفعال مباشرة مثل الضرب أو التهديد؛ بل ينتج أيضًا من بِنى اجتماعيةٍ تمنع الأفراد من الوصول إلى حقوقهم الأساسية. بمعنى آخر، قد تكون الحماية القانونية موجودة على الورق لكنها صعبة الوصول في الواقع، ويؤدي هذا إلى أنّ البنية نفسها تصبح مصدرًا للعنف.


تمثل الهشاشة الاقتصادية بعدًا آخر من هذه البنية؛ ففي سوق عمل ضعيف الرقابة قد تعمل بعض النساء دون عقود واضحة، أو بأجور متدنية، أو لساعات طويلة دون مقابل إضافي. قد يتحول الخوف من البطالة إلى أداة ضغط تجعل كثيراتٍ يقبلن بظروف استغلالية، في مثل هذا السياق يصبح الابتزاز الوظيفي ممكنًا، لأن الضحية تدرك أنّ خسارة العمل قد تعني خسارة مصدر العيش. مرة أخرى لا يكون العنف مجرد فعل فردي؛ بل نتيجة نظام اقتصادي ضعيف الإنفاذ.


الضغط المستمر في هذه البيئات يترك آثارًا عميقة على الصحة الجسدية والنفسية، وليست العزلة والاكتئاب والاحتراق النفسي مجرد حالات فردية؛ بل أعراضًا لبيئات اجتماعية ضاغطة. في بعض الحالات قد يدفع الخوف من الوصم نساءً إلى تجنب الرعاية الصحية، أو إلى إخفاء مشكلات حساسة مثل الأمراض المنقولة جنسيًا أو الحمل خارج الزواج. وهنا يتحول مفهوم الوصم إلى أداة كابحة أو مانحة لوصول الضحية إلى العلاج في الوقت المناسب.


لا يتوقف الوصم عند حدود الأسرة أو الطلاق أو السمعة الاجتماعية بالمعنى التقليدي؛ بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة في الفضاء الرقمي. فما يسمى بالعنف الرقمي ليس سوى امتداد حديث للآلية نفسها التي وصفها غوفمان؛ حيث يعاد تعريف الضحية اجتماعيًا بوصفها موضع شبهة أو عارًا. التشهير والتهديد ونشر المواد الخاصة، أو حتى محاولات الاختراق، كلها لا تستهدف المرأة فقط في أمنها الشخصي؛ بل في مكانتها الرمزية داخل المجتمع. ولهذا لا يكون الابتزاز الإلكتروني مجرد جريمة تقنية؛ بل ممارسةً اجتماعية تستثمر في خوف الضحية من الفضيحة أكثر مما تستثمر في قوة الجاني نفسه. هنا تظهر فعالية الوصم بوصفه سلاحًا يسبق القانون أحيانًا ويتفوق عليه، لأنّ الضحية قد تتردد في التبليغ؛ لا خوفًا من الجريمة فقط؛ بل خوفًا من أن تتحول هي ذاتها إلى متهمة.


ومن هذا المنظور أيضًا، لا يبدو اختفاء بعض النساء أو هروبهن حادثة مفاجئة أو قرارًا فرديًا معزولًا؛ بل نتيجة قصوى لمسار طويل من العنف المتراكم. حين تضيق الخيارات داخل الأسرة، وتضعف الحماية القانونية، ويتحول العمل إلى مجال استغلال، ويصبح اللجوء إلى العلاج أو الشكوى محفوفًا بالوصم؛ فإنّ الاختفاء لا يعود لغزًا بقدر ما يغدو مآلاً اجتماعيًا مفهومًا. هنا تساعدنا فكرة غالتونغ عن العنف البنيوي على فهم ما لا تراه المقاربة الأمنية المباشرة؛ فالأذى لا يكون فقط عبر الضرب أو التهديد أو القتل؛ بل أيضًا عبر البنى التي تدفع الإنسان إلى حافة الانهيار دون أن تمسك به يد واحدة بشكل ظاهر.


قد يمتد هذا المعنى نفسه إلى ما بعد العقوبة؛ فالسجينة السابقة لا تنهي محكوميتها بالضرورة ساعة تخطي باب السجن، لأن الوصم الاجتماعي قد يحول العقوبة المحددة زمنيًا إلى إقصاء مفتوح. في هذه الحالة لا يعود المجتمع إطارًا حاضنًا لعودة الفرد؛ بل يتحول إلى بنية تمنع هذه العودة وتلفظها. لذلك، حين تغيب برامج إعادة الإدماج أو تظل شكلية؛ فإن المؤسسة العقابية لا تنتهي عمليًا بخروج السجينة؛ بل تستمر عبر نظرة المجتمع، وقد يكون أيضًا عبر سوق العمل ومؤسسات الدولة عامة. هنا يمكن القول أنّ غوفمان وغالتونغ يتقاطعان بوضوح؛ فالوصم يعيد تعريف هوية المرأة، والعنف البنيوي يمنعها من استعادة موقعها الطبيعي داخل المجتمع.


والأمر نفسه ينطبق على أشكال الاستغلال التي تتخفى خلف الثقة الدينية أو الاجتماعي. على سبيل المثال؛ حين تتحول “الرقية” من ممارسة دينية إلى أداة ابتزاز مالي أو تحرش أو إخضاع نفسي، مع التأكيد على أنّ المشكلة هنا لا تكون في الدين ذاته؛ بل في الفراغ القانوني والرقابي الذي يسمح بتحويل الرمزي إلى سلطة غير خاضعة للمساءلة. وأعتقد أن تفسير هذه الظاهرة أخلاقيًا أو فرديًا لا يكفي، لأنّ غياب التنظيم نفسه يصبح جزءًا من بنية العنف؛ حيث إن السلطة لا تمارس فقط من داخل الدولة؛ بل قد تمارس أيضًا من خلال المكانة الاجتماعية والدينية حين لا تجد حدودًا مؤسسية تكبحها.

 

النساء يدفعن الثمن مرتين: مرة حين يتعرضن للأذى، وأخرى حين يحاولن النجاة أو الشكوى أو العلاج أو البدء من جديد

 

حتى من يحاول كسر هذا الصمت عبر التوثيق أو الصحافة أو الدفاع الحقوقي لا يقف خارج دائرة الخطر؛ فالصحفيات والمدافعات عن الحقوق كثيرًا ما يتعرضن بدورهن للوصم والتهديد والتشهير، لأن كشف الانتهاك لا يزعج فقط من يمارسه؛ بل يزعج أيضًا البنية الاجتماعية التي تستمد استقرارها من استمراره في الظل. لذلك فإن استهداف الصحفيات والحقوقيات ليس مسألة جانبية؛ بل جزءًا من المنظومة نفسها. هنا لا يكتفي العنف البنيوي بإسكات الضحية؛ بل يمتد لإسكات من يحاول منحها لغة وظهورًا وشهادة.


بهذا المعنى؛ فإن الخيط الذي يجمع كل هذه القضايا ليس مجرد ضعف أخلاقي أو خلل إداري عابر؛ بل تواطؤًا متكررًا بين الوصم الاجتماعي والعنف البنيوي: الأول يدفع الضحية إلى الصمت خوفًا من فقدان الاعتراف الاجتماعي، والثاني يغلق أمامها مسارات الحماية أو يجعلها بطيئة ومرهقة ومكلفة. لذلك لا تكفي الإحالة إلى وجود القوانين أو إلى تجريم بعض الأفعال في النصوص الرسمية، لأنّ العدالة لا تقاس بما هو مكتوب فقط؛ بل كذلك حيث إذا كان الأفراد قادرين فعلاً على الوصول إليها دون خوف أو إذلال أو إنهاك.


ومن هنا فإن أية مقاربة جادة لهذه القضايا يجب أن تبدأ بتفكيك مستويين متداخلين معًا: مستوى رمزي يجرم الضحية اجتماعيًا، ومستوى بنيوي يخذلها مؤسسيًا. وما لم يُكسر هذا التواطؤ بين الوصم والهشاشة المؤسسية، سيظل النساء يدفعن الثمن مرتين: مرة حين يتعرضن للأذى، وأخرى حين يحاولن النجاة أو الشكوى أو العلاج أو البدء من جديد، في مسار غالبًا ما يُتركن فيه وحدهن. لذلك نُصرّ على نقطة واحدة: المشكلة ليست “أخطاء فردية” متفرقة؛ بل هناك نمط يُعاقب المرأة مرتين. وهذا تحديدًا ما نحاول تفكيكه في هذا الملف الخاص حول “المرأة الليبية، مع التأكيد على أن هذا الملف لا يَعدُ بحلول سحرية.

 

يُنشر الملف بالشراكة مع منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان” (JHR)، التي تعمل على تدريب الصحفيين في ليبيا على تغطية انتهاكات حقوق الإنسان؛ خصوصًا ما يطال النساء والفتيات، بأسلوب مهني وحساس للنوع الاجتماعي. نحن نحتاج هذا النوع من التدريب لأنّ التغطية لمثل تلك الموضوعات ليست مجرد مهارة كتابة؛ بل هي مسؤولية، لأنّ الكتابة عن المرأة في سياق عنيف بنيوي تعني أنّ كل كلمة قد يكون لها ثمن على حساب حياة شخص!

 

تعليقات

المشاركات الشائعة