معضلة ثنائية التفكير والحرب الإيرانية الأمريكية/ العراقية - افتتاحية نشرة شهر مارس 2026 - محمد الفزاري

 






رغم أن تخصصي الأكاديمي في العلوم السياسية والدراسات الدولية؛ ما يعني أنني لن أكون متطفلاً إن قلت رأيي في الحرب الجارية بين إيران وأذرعها من جهة، وبين إسرائيل وأمريكا من جهة أخرى؛ إلا أنني آثرت الصمت بدلاً من إبداء رأي أو تحليل. وذلك قد يكون لميلي إلى التفكير والتأمل أكثر من التفاعل مع الشأن العام. إلا أن هناك سببًا آخر يتعلق بتعقيدات المشهد ذاته، وهو صمت يشاركني فيه كثير من المشتغلين في السياسة بحثًا وتفكيرًا، لأننا لسنا في موضع يُحتم علينا اتخاذ قرار بشأن ما يحدث أصلاً.

لكن المتابع لبعض القنوات ومواقع التواصل، يلحظ حالة من الإسراف في التحليلات؛ بل إسهالاً في إطلاق الأحكام والتخوين، إلا أن ما شدني أكثر هو المنهجية التي تنطلق منها معظم هذه التحليلات والمواقف؛ حيث يغلب عليها نسق خطي قائم على الثنائية (إما أو)؛ فالعقل العربي يعاني من ثنائية تفكير حادة تختزل العالم في معادلات بسيطة: أبيض أو أسود، حق أو باطل، معنا أو ضدنا. هذه البنية الذهنية ليست فطرية؛ بل هي نتاج مباشر لنظام تعليمي قائم على التلقين والحفظ، تُقدَّم فيه المعرفة بوصفها حقائق نهائية غير قابلة للنقاش، بدلاً من أن تكون أدوات للفهم والتحليل. في هذا السياق، يتمرس التلميذ على استهلاك الإجابات بدلاً من طرح الأسئلة، وعلى الامتثال بدلاً من النقد والتقييم.

تتجلى هذه الثنائية في صور كثيرة، لكن أبرزها يظهر في الصراعات المحلية والدولية كما نرى في التفاعل مع الحرب الحالية؛ فبدلاً من تحليل المصالح والسياقات الجيوسياسية والتاريخية وتعقيد الفاعلين، سواء أكانوا دولاً أو ما دون الدولة، فضلاً عن قراراتهم المبنية على قراءات سياسية، وأحيانًا فوق سياسية ذات طابع ثوري؛ يُعاد اختزال المشهد في موقف أخلاقي ثنائي: إما أن تكون مع إيران باعتبارها "ضد إسرائيل والهيمنة الغربية"، أو مع إسرائيل وأمريكا باعتبارهما ضد "حكم ديني ثيوقراطي". يغيب هنا أي وعي بإمكانية نقد جميع الأطراف في آن واحد، وتبني موقف مستقل يميز بين السياسات والحقوق.

 فمن الممكن أن ترى أنها حرب غير شرعية ضد إيران وفق القانون الدولي، وفي الوقت نفسه يكون لديك موقف نقدي من تدخلات إيران في المنطقة، ودعمها السابق للنظام الدكتاتوري في سوريا.

لا يعكس هذا النمط من التفكير ضعفًا معرفيًا؛ بل أيضًا عجزًا عن بناء موقف أخلاقي وسياسي مركب؛ فالقدرة على إدراك التعقيد، والتمييز بين المستويات المختلفة للصراع، يتطلب أساسًا من التفكير النقدي، والنتيجة هي ثنائية حادة بنهجٍ خطي، لا تنتج إلا وعيًا هشًا سريع الانقياد وسهل التوظيف في الخطابات الدعائية الأيديولوجية.

إن تجاوز هذه الإشكالية لا يبدأ من السياسة؛ بل من التعليم، بإعادة بناء العقل على أساس السؤال بدلاً من الإجابات الجاهزة، وعلى الشك المنهجي بدلاً من اليقين الزائف. فالعالم أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في خيارين، والعقل الذي لا يحتمل الرمادي لن يفهم الواقع؛ بل سيبقى أسير تصورات مبسطة تُريح النفس، لكنها تضلل الفهم.



رابط الافتتاحية


تعليقات

المشاركات الشائعة