أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية - افتتاحية نشرة شهر فبراير - محمد الفزاري


 


لطالما كنت أسأل نفسي: لو افترضنا أنه ليس أمامي إلا هذان الخياران؛ فأيهما أفضل على المستوى الشخصي؟

1- العيش في دولة تجعل من تأكيد السيادة غاية بحد ذاتها عبر صراع دائم أشبه بـ"مناطحة الثيران" دون اعتبار حقيقي للكلفة؛ حيث يكون المواطن الضحية الأولى؛ ليس فقط بحرمانه من حقوقه الاجتماعية والاقتصادية؛ بل أحيانًا من حقه في الحياة.

2- أم العيش في دولة تحاول إدارة موقعها ضمن موازين القوى الدولية بعقلانية دون معاداة الجميع، حتى لو اقتضى ذلك قبول بعض القيود على حرية القرار السياسي بهدف تمكين الدولة من أداء وظائفها الرئيسة قدر الإمكان: الأمن والاقتصاد وسيادة القانون، بوصفها الأساس الضروري لبناء دولة المواطنة ورفاهية المواطن واستدامة الدولة.

جوابي الحالي باختصار: سأختار الدولة الثانية.

إن الإشكال الجوهري في كثير من التجارب السياسية لا يكمن في غياب المبادئ؛ بل في الخلط بين الأخلاق السياسية وبين فعالية الحكم، أو بتعبير أدق؛ بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية، وفق توصيف ماكس فيبر. فحسن النية، وصدق القناعات، والالتزام الأخلاقي الشخصي، لا تنتج بالضرورة كفاءة سياسية، ولا تؤهل وحدها لإدارة دولة.

القائد الذي يتصرف وفق أخلاق القناعة، ويتمسك بالمبادئ بصرف النظر عن العواقب، قد يكون صادقًا أخلاقيًا ومحترمًا على المستوى الشخصي، لا مجرد صاحب خطاب دعائي؛ لكنه يفشل في تحمل أخلاق المسؤولية، وفي تقدير النتائج الفعلية لقراراته على حياة الناس ومستقبل الدولة. وحين يحدث ذلك، يكون قائدًا فاشلاً سياسيًا مهما علت نبرة خطابه أو صدقت نواياه.

في الدولة الحديثة، لا تقاس الدولة ولا حكومتها من خلال شعاراتها ولا مواقفها الرمزية؛ بل من خلال قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، والقائد الذي يعجز عن دفع الدولة إلى القيام بمهامها الجوهرية: الأمن والاقتصاد وسيادة القانون، هو قائد فاشل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لأنه فشل في صميم مهمته السياسية، حتى لو كان خطابه أخلاقيًا مثاليًا.

في دولة المواطنة، تقاس القيادة بالنتائج لا بالنيات، وبما تحققه من حماية لحقوق المواطنين وضمان كرامتهم، وبناء دولة قابلة للاستمرار عبر أمن فعلي واقتصاد قابل للحياة، وسيادة قانون حقيقية. وتحقيق هذه النتائج قد يتم أحيانًا بامتلاك أدوات فرض الإرادة وتعزيز السيادة إن توفرت شروط ذلك، وقد يتم عبر الموازنات السياسية والعقلانية حين تفرض الظروف قيودها، حتى لو فرضت تقليصًا لهامش استقلال القرار السياسي.

العبرة في النتائج؛ فماذا يجنيه المواطن من صراخ لا يؤمّنُ له حياة كريمة ولا مستقبلاً؟ ولنا في النظام الفنزويلي والنظام الإيراني نموذجًا. بمعنى آخر: ما قيمة الصراخ إذا كان لا يطعم المواطن خبزًا؟ ومع ذلك أتمنى أن أكون مخطئًا، لا سيما في تقييمي للنظام الإيراني، وأن يفاجئنا بمآلات تبرر -ولو جزئيًا- حجم التضحيات التي قدمها الشعب الإيراني.


*رابط النشرة





تعليقات

المشاركات الشائعة