أثناء فترة معرض مسقط الدولي للكتاب لسنة 2024، كنت سعيدا جدا بمرور أيام منذ انطلاقته دون أن يصلني أي خبر عن "منع كتاب". إلى درجة أني راسلت عددا من الأصدقاء في عُمان لأبارك لهم هذه النقلة الإيجابية في مستوى حرية النشر والتوزيع.
وليطمئن قلبي أكثر إلى حقيقة الأمر، سألت أحدهم بشكل مباشر عن أحوال المعرض، وهل كانت هناك كتب ممنوعة كالمعتاد. فأجابني فرحا مزهوا: "لا يوجد، حسب علمي، منع لأي كتاب، بل أزيدك من الشعر بيت، اليوم اشتريت روايتك #اللايقين".
هللت وفرحت مباشرة، واستبشرت بالوضع، وقلت في نفسي: أخيرا تغير الحال إلى الأفضل. لكن للأسف، وكما يقال ، "يا فرحة ما تمت"؛ إذ تفاجأت في اليوم التالي بتواصل من الناشر يؤكد لي أن الرواية منعت. ثم ما لبثت الأخبار أن توالت عن منع عدة كتب أخرى!
وبالمثل، كل من كان يحضر مساحات حركة #أنا_مواطن (البرزة العمانية) في العام المنصرم، يعرف أني كنت أقول صراحة، ومن باب التقييم النسبي، إنه قياسا بمستوى الحريات في بقية دول الخليج، وخاصة بعد تغير الظروف السياسية في الكويت، يبدو أن الحال في عمان هو الأفضل والأعلى سقفا في هذه المرحلة.
مع التأكيد طبعا أن هذا ليس هو سقف الحرية الذي نأمله ونطالب به كأبسط حقوق المواطنة؛ فما زال المشوار طويلا. لكن، من باب إحقاق الحق، هذا كان توصيفي للواقع آنذاك.
غير أن الأمس شهد مساحة صوتية جديدة لحركة (أنا مواطن)، وفوجئت خلالها بأن عدد الحضور أقل من المعتاد. فبعد أن كانت المساحات السابقة تصل، في ذروة الحضور، إلى قرابة 1200 شخص، ولم تكن في أدنى مستوياتها تقل عن نحو 350، وجدنا أن الحضور هذه المرة استقر ما بين 220 و260 طيلة زمن المساحة.
إلا أن المفاجأة الأكبر لم تكن في الأرقام، بل في العزوف شبه التام عن المشاركة والتداخل، باستثناء شخصين فقط، وكلاهما مقيمان خارج عمان. وبعد البحث والتقصي، اتضح السبب، وهو سبب لم يكن مفاجئا في الحقيقة:
النظام في الفترة الأخيرة بات متوجسا إلى درجة كبيرة، وبدأ يعتقل ويحقق مع من يحضر أو يشارك في المساحات الصوتية التي تتعرض للشأن العام العماني، بل إن شرر هذه النار وصل حتى إلى بعض المدافعين عنه!
أريد أن أطبل، أريد أن أشعر بشعور المطبلين، ولكن للأسف حتى هذا الشعور تصادرونه منا!
أتمنى حضور مساحات (أنا مواطن)، بل والمشاركة فيها، لكي نمارس مواطنتنا ونستفيد ونتعلم من بعضنا. لكني أنصح بالحضور عبر حساب لا يشير إلى هويتك. تذكر: أنت مواطن، ولك رأي، حتى لو كان هذا الرأي كله تطبيلا؛ فهذا أبسط حقوقك كمواطن!
ونحن في حركة (أنا مواطن)، نؤكد في كل مساحة أن الهدف هو الحوار والنقاش وإبداء الرأي، لممارسة المواطنة لا أكثر، كما هو الحال في أي برزة عمانية. ونؤكد أيضا أن شعارنا واضح: لا للتقديس والتطبيل، ولا للتدنيس والشيطنة.
لذلك، ليس هدف هذه المساحة إنكار وجود الإيجابيات، وهي موجودة بلا شك، وإن كانت نسبية في تعريفها والإقرار بها من شخص إلى آخر. بل الهدف هو الحوار، وتسليط الضوء على النواقص أكثر من الإيجابيات، بغية الإصلاح والبناء والدفع بعمان إلى الأمام.
كما نؤكد أن هذه المساحة ترحب بالجميع ما داموا ملتزمين بضوابطها، مهما كان رأيهم؛ لأن المساحة لن تكون مفيدة إلا بوجود جميع الأصوات، بكل اختلافاتها. الاختلاف والتدافع طبيعي ونحترمه، لكن الأهم ألا نحوله إلى خلاف.
وما يؤكد أن هذا ليس مجرد قول، بل قول وفعل، أن في المساحات السابقة شارك معنا العديد من المتحدثين الذين ظلوا طوال المساحات يسبحون ويهللون دفاعا عن النظام، إلى درجة أن بعضهم كان يشكر طريقة إدارة المساحة.
فلا يمكن أن ننتقد النظام على مصادرة الآراء المختلفة، ثم نقوم بالفعل نفسه. الديمقراطية، قبل أن تكون صندوقا، هي طريقة تفكير وممارسة يومية.
أنا مواطن، ولي رأي
تعليقات
إرسال تعليق