سنة جديدة، طموحات جديدة، وقرارات جديدة؛ على الصعيدين الشخصي والمهني - محمد الفزاري

 


ليس هذا المكان الأنسب للحديث عن الجانب المهني، لكن يمكنني المرور عابرا على قرارين من الجانب الشخصي.

القرار الأول، منذ سنوات وأنا في شبه عزلة اختيارية (عزلة لا انسحاب)، نابعة من عدة أسباب؛ لكن ربما أهمها عدم القدرة على الانتماء، أو الرفض الواعي له. وأعني هنا الانتماء إلى جماعة ما، أو آيديولوجيا ما، بل وأكثر من ذلك، إلى درجة يصعب معها تصنيف نفسي. وربما لم تكن مشكلتي يوما مع مبدأ الانتماء ذاته، بقدر ما كانت مع أشكاله التي تبتلع الفرد في كثير من الأحيان.

إلا أن من قرارات السنة الجديدة تعميق هذه العزلة الإيجابية عبر مسارين: أولا، رغم أنني بعيد عن مواقع التواصل كافة باستثناء هذه المنصة (X)، والتي بالكاد أتصفحها، فضلا عن قلة نشري فيها، فقد قررت خفض مدة تصفحي اليومية بنسبة لا تقل عن 75%. والسبب في ذلك هو محاولة تقليل حجم المعلومات التي يتلقاها عقلي يوميا، بما يؤثر سلبا في طاقته وكفاءته. مواقع التواصل تخدعنا، وتدفعنا إلى قضاء وقت طويل من يومنا في مربع «غير عاجل وغير مهم»، بينما أثناء التصفح يبدو كل شيء «عاجلا ومهما»، هذا لو افترضنا أن وقت الإنسان يمكن تقسيمه إلى أربعة مربعات. ثانيا، أصبحت مقتنعا تماما بأنه ليس من الضروري أن يكون الأشخاص الذين نحترمهم ونقدرهم ونحبهم جزءا من حياتنا. وأنا هنا أتحدث عن جميع أنواع العلاقات: من دائرة المعارف وزملاء العمل، مرورا بالصداقات، وانتهاء بالعائلة. وعليه، سيكون لدي معيار واضح وصادق مع نفسي: ما شعوري بعد لقائي هذا الشخص في آخر ثلاث مرات؟ إذا كان الشعور ساما ومستنزفا، فهذا يعني أن هذا الشخص لا ينبغي أن يكون جزءا من حياتي، مهما بلغ تقديري واحترامي له، وبغض النظر عن نواياه، حتى لو كنت واثقا من صدقها. الشعور السام أسبابه متعددة، لكنه قد يكون أحيانا بسيطا جدا: هل عاملك هذا الشخص وقدرك، وأنزلك المكانة التي اخترتها لنفسك أم لا؟ بغض النظر عن مدى تحقق هذه المكانة في نظره؛ فهذا غير مهم. المهم ما أنت مقتنع به واخترته لنفسك وتريده. هذه حياتك، لا حياته، ولا توجد ضرورة لإجبار نفسك على ما يستنزفك ويترك أثرا سلبيا عليك. السؤال بسيط: كيف تشعر بعد لقائه؟ هل تشعر بالراحة والثقة والطمأنينة أم العكس؟ هذان مجرد مسارين من مسارات كثيرة، منطلقة ليس من فكرة «العزلة» فحسب، بل أيضا من قناعة لطالما آمنت بها: "تجد السكينة عندما تتخلى عن الحاجة لجذب انتباه الآخرين، والحاجة لإثبات أي شيء لأي أحد". مواقع التواصل، إلى جانب تأثيرها السلبي على المساحة الذهنية للعقل، تدفعك من حيث لا تشعر إلى محاولة جذب الانتباه أو إثبات موقفك ورأيك. وكذلك الحال في بعض العلاقات، إذ تجد نفسك في سعي دائم لإثبات ما هو في الأصل مُثبت عن نفسك أو رأيك أو موقفك. أما القرار الثاني، فهو مضاعفة مرات السفر وساعات القراءة والكتابة على الصعيد الأدبي. قد لا يكون ما تبقى من العمر أكثر مما مضى، وبما أنني لا أملك إلا حياة واحدة، فلا غنى عن السفر والقراءة لعيش أكثر من حياة، عبر تكثيف تجاربي وتوسيع تفاصيل قصة حياتي. سافرت إلى أكثر من 35 دولة حتى الآن، وبعضها زرتها مرارا، ومع ذلك ما زلت أشعر أن هناك أجزاء لم أكتشفها في ذاتي بعد. نعم، ثمة علاقة وثيقة بين اكتشاف الذات والتعرف عليها، وبين الاحتكاك بجغرافيات جديدة بكل ما تحمله من مخزون ثقافي. لذلك، بالنسبة لي، السفر ليس ترفا، بل وسيلة لفهم الذات والعالم. خلال السنوات السبع الماضية انشغلت بالدراسة الأكاديمية، وربما كان ذلك مبررا مشروعا لتقليل مرات ومدة السفر. إلى جانب ذلك، كان هناك مانع آخر قلص من مرات سفري. لكن بما أنني أنهيت مرحلة الدراسة منذ سنتين، وزال العائق الآخر، فقد انتهت معها الأعذار. في المعتاد، لا تقل رحلاتي السنوية عن خمس سفرات في المتوسط، وبعضها يمتد لأسابيع، ومع ذلك لا أشعر أن هذا كاف. فالرغبة، بكل تأكيد، ليست في جمع أختام أكثر على جواز السفر، بل في جمع قصص أكثر؛ ففي النهاية، ما الحياة إلا قصة، فلماذا لا نهتم بتكثيف تفاصيلها ومنحها عمقا وثراء؟ أما الكتابة، فهي ليست مجرد فعل إبداعي أو طموح أدبي، بل بالنسبة لي فعل وجودي بامتياز؛ وسيلتي لمقاومة التلاشي، وترتيب الفوضى الداخلية، ومساءلة ما أعيشه قبل أن يتحول إلى زمن منقض. أكتب لا لأوثق حياتي، بل لأفهمها، لا لأهرب من الواقع، بل لأمنحه معنى يمكن احتماله. الكتابة هي المساحة التي أستعيد فيها سيادتي على ذاتي، وأعيد صياغة علاقتي بالعالم، وأمنح لحياتي معنى لم أجد له بديلا خارجها.
في النهاية، تبقى هذه انطباعات وتقديرات شخصية، لا علمية، ولا تنطبق بالضرورة على الجميع. فالأولويات تختلف من شخص إلى آخر، وهذه المعايير تناسبني اليوم، وقد تتغير بعد سنوات، وهذا أمر طبيعي.

تعليقات